البروفيسور أمل بورقية : طبيبة بكل مواصفات التحدي

( إعداد عبد الطيف الجعفري)

شخصية قوية اجتمع فيها ما تفرق في غيرها من تحد وعمل جاد ، وهو ما جعلها متواجدة في مواقع متعددة بشكل وازن ومحسوب ، مع الحرص على العطاء المنتظم ، حتى في فترة الأزمة الصحية الناتجة في كورونا .

إنها البروفيسور أمل بورقية، الطبيبة المختصة في مجال معالجة أمراض الكلي وتصفية الدم ، التي لم تهادن في يوم من الأيام نفسها ، فبالأحرى محيطها الطبي والاجتماعي، لأنها تؤمن بأن لها رسالة محددة في الحياة تتمثل في العطاء اللامتناهي، مع الحرص على نقل تجاربها بما يفيد الغير وطنيا وإفريقيا ودوليا.

هي إذن من بين القلائل الذين يشتغلون في عدة جبهات .. فهي طبيبة مواظبة على معالجة مرضاها، وهي فاعلة جمعوية من خلال جمعية ( كلي) ، وهي كاتبة حيث خطت يداها لحد الآن 14 كتابا بالتمام والكمال.

تردد في كل لقاءاتها مقولة ” العمل الجاد هو الذي يبقى ، ويوفر شروط العطاء “، وهي بذلك تسير في طريق العمل الميداني الجاد ، دون نسيان قدرتها على إقناع الآخرين بأفكارها واجتهاداتها التي لها صلة بالمجال الطبي، كما حدث في الموضوع المتعلق بنقل وزرع الأعضاء، حيث أثمرت أفكارها وجهودها فتح سجلات بالمحاكم للتسجيل بشأن التبرع بالأعضاء، علاوة على أفكار أخرى فتحت آمالا كبيرة بالنسبة لمرضى الكلي الذين يصلون لمرحلة الدياليز (تصفية الدم).

الاقتراب أكثر من شخصية هذه الطبيبة وعوالمها وتطلعاتها، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة ، كشف أن كل هذا الثراء يخفي وراءه شخصية بسيطة متواضعة لبقة لا تفارقها الابتسامة، مع امتلاك قدرة كبيرة على المحاورة والمناقشة.

تقول في تصريح ، وكالة المغرب العربي للأنباء ، إنها تعشق العمل الميداني حد الجنون خاصة من خلال قوافل طبية ، كما فعلت ، في مناسبات عدة، بمجموعة من المناطق بما فيها الأقاليم الجنوبية ، حيث تتحدث عن هذه التجارب بشغف وإسهاب شديد، لأن الأمر يتعلق، كما تضيف، بتفعيل خدمات القرب الصحي والعمل الإنساني والتضامني، خاصة في المناطق النائية التي تحتاج لمثل هذه الخدمات.

فمن يعشق الطب، كما تشدد على ذلك، يكون لديه دون شك حس إنساني في التعاطي مع مرضاه ( الأخلاقيات وحقوق المريض).

أصحاب البذلة البيضاء، لهم دوما صلة وثيقة بالمجتمع وصحة الناس ، وفي هذه الزاوية يتكامل العلاج بالجوانب النفسية ، وهو ما تقوم به البروفيسور بورقية في عيادتها ، حيث تحرص على الاهتمام أكثر بالمرضى، خاصة حين يتعلق الأمر بأطفال صغار يحتاجون أكثر للرعاية والعناية .

وما دام الأشخاص المصابون بأمراض مزمنة ، هم من أكثر الناس الذين يعانون من جراء انتشار الفيروس التاجي ، فإن تتبع حالاتهم الصحية وعلاجهم يتطلب مضاعفة الاشتغال ، وهو ما قامت به أمل بورقية ، وتستحضره بإسهاب ، معتبرة ذلك من صميم واجبها ، وواجب الأطقم الطبية.

وتقر ، مع ذلك ، بصعوبة المهمة ،” خاصة وأننا نتعامل مع أشخاص مصابين بأمراض مزمنة ( كلي/ أمراض باطنية، ارتفاع الضغط الدموي) .. فهناك تخوف لأننا لم نكن نعرف في البداية درجة تأثير الفيروس التاجي على هؤلاء المرضى “، بيد أن الأهم في هذه العملية برمتها ، كما تقول، هو كيفية تعزيز الثقة في نفوس الطواقم الطبية وحشد هممهم ، لمواجهة هذا الوضع بشجاعة ، وضمن ما يمليه الواجب المهني وميثاق الأخلاقيات .

تقول مستطردة ” شخصيا ليس لدي تخوف من الاشتغال في ظل هذه الظروف رغم الصعوبات التي تواجهنا “، فالأمر يتعلق، كما تؤكد، ” بالحرص على إنقاذ حياة المرضى الذين لديهم مرض مزمن ، حيث وجد البعض منهم أنفسهم في وضع صعب ، كما أن بعضهم لا يزور الطبيب إلا إذا تعقد وضعه الصحي، والسبب في كل ذلك هو الخشية من الالتقاء بأشخاص مصابين بالفيروس التاجي .. وفي ظل هذه الوضعية ، تم الشروع في تتبع وضعيتهم ، وكذا التواصل معهم حتى ضمن إطار العلاج الطبي بعد “.

هذا التحدي في مواجهة الصعوبات، والعمل على إيجاد حلول لها، طبع حياة أمل بورقية منذ صغرها، وهو ما يبرر سلوكها طريق العلوم والطب خلال تكوينها الدراسي ، وتعترف دون تردد ” أن الطب هو الذي اختارني .. حيث كنت مصرة على هذا التوجه منذ البداية ، ولم أكن أتصور نفسي ضمن مهنة غير مجال الطب ، فاخترت تخصص أمراض الكلي ، لأن هذا المجال كان جديدا ، حين كنت أتابع تكويني في مجال الطب بالدار البيضاء “.

وبعد ذلك ، تضيف ، ” واصلت مسيرتي الدراسية والتكوينية بالخارج ، ولما عدت جرى إنشاء أول مركز لتصفية الدم بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء ، وتوجهنا سنة 1986 إلى زارعة الأعضاء “، مع الإشارة أن تكوينها ركز على أمراض الكلي لدى الكبار والصغار ، ” خاصة وأن هذا التخصص غير موجود بعدد من البلدان خاصة الإفريقية جنوب الصحراء ، حيث اشتغلت معهم كثيرا في هذا المجال “.

وما دامت المناسبة شرطا ، فقد توجهت ، في اليوم العالمي للمرأة ، للنساء والفتيات المغربيات ، كي تحثهم على الاشتغال على أهدافهم منذ البداية ، مع اختيار المسار الذي يعشقنه في حياتهن ، كيفما كانت التحديات والصعوبات، حيث يمكن التغلب عليها إذا كانت الأهداف المرسومة مميزة .