انتخابات 8 ستنبر: ثلاثة أسئلة للمحلل السياسي والخبير في الأنثربولوجيا الحضرية أحمد حميد شتاشني

يقدم المحلل السياسي والخبير في الأنثربولوجيا الحضرية، السيد أحمد حميد شتاشني، في حديث خص به وكالة المغرب العربي للأنباء، قراءة في المسار الذي سلكته الاستحقاقات العامة لثامن شتنبر الجاري، والتي تميزت بإقبال مكثف من لدن الناخبين.

في هذا الحديث، يبرز شتاشني أهمية إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، ما يعكس برأيه “تجاوب” الناخبين مع “الوعود الواضحة” التي قدمتها الأحزاب السياسية خلال الحملة الانتخابية، والتي تمس بشكل مباشر هموم وتطلعات المواطنين ذات الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، مستحضرا في الوقت ذاته الرهانات والتحديات التي تفرض ذاتها على مستوى مدينة الدار البيضاء.

1 – تجاوزت نسبة المشاركة في الاقتراع الثلاثي ليوم 8 شتنبر 50 في المائة على المستوى الوطني، وهي زيادة ملحوظة مقارنة بالانتخابات السابقة، برأيكم ما هي القراءة الممكنة لهذا الرقم؟

هذا الرقم له أهمية كبيرة، بالنظر إلى السياق الخاص الذي جرت فيه هذه الاستحقاقات والحملة الانتخابية التي سبقتها، وذلك بسبب الاجراءات الصحية التي تم اتخاذها نتيجة انتشار كوفيد -19. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، وصلت نسبة المشاركة إلى 50.35٪ مقابل 42.29٪ سنة 2016. وذلك في ظل غياب التجمعات الانتخابية الكبيرة.

وتبعا لذلك، راهنت الأحزاب السياسية، إلى جانب الوسائل التقليدية التي اعتمدتها من أجل كسب أكبر عدد من المناصرين، مستغلة في ذلك امتدادات مرشحيها القبلية والعائلية والاجتماعية، على وسائط الإعلام الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.

وقد اكتسى هذا الأمر أهميته بفعل تسجيل أكثر من ثلاثة ملايين ناخب جديد، والذين يمثلون نسبة 11.9٪ من السكان في سن التصويت. فضلا عن أن أكثر من 79٪ من هؤلاء الشباب حاصلون على مستوى تعليمي ثانوي / عال، ويميلون أكثر إلى استخدام التقنيات الجديدة وهم أكثر تواصلا، من خلال التقاسم عبر شبكة الإنترنت.

هذا في ما يتعلق بالأحزاب، أما الناخب فقد كان أكثر تفاعلا مع المواضيع والوعود الواضحة، التي تستند للأرقام، والتي تمس بشكل كبير وضعه المادي أو المهني (دعم مادي للفئات الهشة، توفير الشغل ).

وقد سهل الاقتراع الثلاثي على الناخب مسألة اختيار من يصوت لصالحه، انطلاقا من قناعاته الجماعية التي يعيشها بشكل يومي. كما أن الخيارات الثلاثة (الجماعية ، والجهوية ، والوطنية) تتفق في تصنيف الأحزاب التي فازت في الانتخابات. بحيث أن التصويت العقابي بسبب سوء تدبير الشأن المحلي واستغلال السلطة كان أداة لتوجيه الناخب في اختياراته.

2 – في نظرك ما الدافع وراء هذا الإقبال المكثف على التصويت من قبل المواطنين؟ وما هي تطلعاتهم الآنية والمستقبلية من هذه الانتخابات؟

إن الناخب، ومن خلال إقدامه على معاقبة بعض الأحزاب عبر صناديق الاقتراع ، فهو يعبر عن رغبته في الوفاء بالوعود الانتخابية من قبل الأحزاب التي صوت لصالحها. وعليه فالأمر متروك بيد الأحزاب السياسية من أجل تطوير سياسات محلية تشاركية، والتي من شأنها المساعدة على تأمين فضاءات عيش أكثر جاذبية، مع مراعاة الخصوصيات المحلية والجهوية. كما أن التعليم والشغل هما من الأولويات القصوى على المستوى الوطني، وعلى الأحزاب التي ستتولى إدارة الشأن العام أن تعي ذلك جيدا.

3 – يمكن اعتبار الدار البيضاء عالما مصغرا يجمع كل التحديات الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والبيئية المسجلة على الصعيد الوطني، فما هي حدود مسؤولية الطبقة السياسية الجديدة التي أفرزتها صناديق الاقتراع اتجاه هذه التحديات جهويا ومحليا؟

إن مدينة الدار البيضاء باعتبارها العالم المصغر الذي يجمع كل التحديات العمرانية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، تستحق إيلاءها كل الاهتمام الممكن.

فالناخب البيضاوي رأى تعاقب مختلف التوجهات والألوان السياسية على تدبير الشأن المحلي لمدينته. والتي بدلا من أن تترك إنجازات بارزة خلفها، فإنها خلفت عيوبا لا تحصى. وبفضل مرونته فالبيضاوي لم يفقد الأمل، ويحاول التفاعل من خلال المجتمع المدني. وهو يدرك مليا أن الأوراش المهيكلة الكبرى التي عرفتها مدينته، كانت بمبادرة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس وليس بفضل أي مسؤول محلي أو منتخب.

داخل مدينة من حجم الدار البيضاء، لكل أولوياته وضروراته. غير أن النظام الإداري لوحدة المدينة بنواقصه وعدم قدرته على إعادة بناء مفهوم موحد للمدينة لم يستطع تقديم إجابات لانتظارات الساكنة. وعلى المنتخبين الجدد التغلب على أخطاء الماضي، وأن يكونوا أكثر إبداعا، وأن ينصتوا للمواطنين.

كما يتعين عليهم تطوير سياسة المدينة من خلال بلورة مجموعة متماسكة من التدخلات مع توقعات وانتظارات محددة. يجب أن يساهموا ليس فقط في جعل المدينة إطارا لحياة ممتعة، بل أيضا رافعة اقتصادية لسكانها وحاضنة لمشروع اجتماعي حضري.