سمير ة بختي : رمز للدفاع عن الأشخاص المعاقين من على كرسي متحرك

(إعداد رشيد العمري)

سميرة بختي، رمز من رموز الإصرار والتحدي من أجل التغلب على إكراهات الإعاقة، وتجاوز النظرة الدونية تجاه الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة.. هذا قدرها الذي ظل يلازمها ، أو اختيارها الذي حولها إلى مدافعة صلبة عن هذه الفئة ، التي شاءت الأقدار أن تكون من بين المنتمين لها.

لم يكن يدور بخلد سميرة بختي، وهي في بداية عقدها الخامس، أن تظل حبيسة كرسيها المتحرك ، الذي ظل يلازمها في المعارك التي تخوضها ضد الإقصاء والتهميش الذي يطال الشخص المعاق ، لكن الرياح هبت بما لاتشتهيه حياتها .

فبداية التعاطي مع الإعاقة بالنسبة لسميرة ، تعود إلى صغرها، وتحديدا حين كان عمرها ثلاث سنوات ، حيث كانت تركض وتلعب كباقي الأطفال ، حتى حل الشلل ضيفا ثقيلا ليجمد حركة أعضائها السفلى .

في سن البراءة كانت تنظر لحالتها الصحية وكأنها سحابة عابرة ، غير أن النظرات الدونية من محيطها من ذوي العقليات البالية المتحجرة ، زادت من تعاستها ، خاصة عند بلوغها سن التمدرس ، حيث باتت لعنة الرفض والإقصاء تطاردها مما أجل فترة ولوجها المدرسة إلى سن التاسعة من عمرها متخلفة عن أقرانها بسنتين ، في ضرب واضح لمبدأ تكافؤ الفرص .

وبالرغم من شغف سميرة وحبها للقراءة والكتابة ، لم يسعفها الحظ لاستكمال مرحلة التحصيل والعلم وذلك لصعوبة انتقالها بين طوابق المدرسة لمتابعة مواد المنهاج الدراسي، وهي العوامل التي وقفت حجرة عثرة في تحقيق الحلم الذي ظل يراودها لسنوات بمعانقة مجال التمريض أو الصحافة.

كل هذه العوامل ساعدت على تقوية عضدها ، فحملت مشعل التحدي حتى لا تعيش عالة على مجتمعها، إذ انخرطت في سلسلة من التكوينات المهنية وسارت تنتقل من مقاولة لأخرى لعلها تجد لنفسها موطئ قدم ، غير أن مسألة الولوجيات كانت عائقا آخرا يحول دون سلك مسارها المفضل.

وبعدها عانقت مجال الرياضة حيث وجدت ضالتها، فزادها ذلك إصرارا وتوهجا متحدية لغة الانطواء والعزلة ، وخاصة عقب انتخابها على رأس “النادي الرياضي للودادية المغربية للمعاقين”، إذ حاولت بالرغم من قلة الدعم أن تثبت ذاتها من خلال الإنجازات التي تحققها الفرق الرياضية التابعة للنادي في الفينة تلو الأخرى، استرجاعا للأمجاد والأمل في لحظات اعتلاء منصة التتويج على نغمات عزف النشيد الوطني .

وسبق للنادي في وقت مضى أن حقق الفوز بسلسلة من البطولات الوطنية وكؤوس العرش خاصة في كرة المضرب وكرة السلة وألعاب القوى إلى جانب ألقاب مهمة محصل عليها في رياضة السباحة والكرة الحديدية وغيرها، بل أكثر من ذلك كان النادي يساهم أيضا في تطعيم عناصر المنتخب الوطني بعدد من الأبطال الذين هم اليوم في حاجة لمزيد من الدعم والتحفيز لتمكينهم من تمثيل بلدهم أحسن تمثيل في مختلف المحافل الرياضية الدولية.

ومع ذلك، فهذا لم يكبح جماحها، إذ نصبت نفسها للترافع عن حقوق الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهو ما أسرت به سميرة البختي لوكالة المغرب العربي للأنباء ، موضحة أنه لا يمكن لأي شخص ، ممن اكتملت صورة خلقته ، أن يتقمص دور المدافع عن الأشخاص المعاقين .

وسجلت متحسرة ، أن أقرب الناس لهؤلاء الأشخاص ، غالبا ما يكونوا مقصرين في إدراك رغبات أقاربهم وأبنائهم من ذوي الإعاقة، بل منهم من يتخذ ذلك مطية للتسول تعليلا لحالة العوز والفاقة ، وهو ما تعتبره أمرا مرفوضا على الإطلاق .

وتدعو في هذا الشأن إلى اعتبار هؤلاء الأشخاص جزءا من المجتمع ، من خلال إعطائهم الفرصة لتفجير طاقاتهم الخفية والكشف عن مخزونهم الابداعي، مستشهدة في ذلك بالعديد من هؤلاء الأفراد ممن تولوا مهام ومناصب مهمة جدا ، متحدين الإعاقة ( منهم أسماء داع صيتها بدول المهجر من جامعيين وأطباء ورياضيين وفنانين وغيرهم).

ولتجاوز هذا الوضع ، قالت إن تغيير العقليات أضحى اليوم أكثر من أي وقت مضى شيئا ملحا ، لافتة إلى أهمية تعبئة الأشخاص من ذوي الإعاقة والمتعاطفين والمساندين لهم ، ضمن عملية تواصل مباشر أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي .

وتابعت أن الانتخابات التشريعية القادمة يمكن أن تشكل محطة مهمة وحاسمة لضمان تمثيلية خاصة بالشخص المعاق، مؤكدة في هذا السياق على حقوق هذه الفئة في التعليم والصحة والشغل والمواكبة.

وضمن هذا التوجه قامت ، إلى جانب نساء أخريات ، بتأسيس هيئة تحت إسم “المنتدى المغربي لمناصرة حقوق النساء ذوات الإعاقة ( كل النساء كل الحقوق)”، مسخرة في ذلك التجارب والخبرات التي راكمتها ، خلال انضمامها إلى هيئات جمعوية وحقوقية من أجل تنمية قدراتها الذاتية ، والعناية بوضعية الأشخاص في وضعية إعاقة، من قبيل الكشاف المغربي وجمعية مواهب والشبيبة الاتحادية والشبيبة الاستقلالية والودادية المغربية للأشخاص المعاقين .

وتشكلت هذه الهيئة من نساء ذوات الإعاقة ، وأمهات أطفال حاملي الإعاقة ، لكون هذه الفئة تعاني – في نظرها – من تمييز مزدوج سواء داخل العائلة أو المجتمع برمته، مشيرة إلى أن هذه المبادرة ساهمت في خلق نوع من التآزر والتعاضد بين المنخرطات ، مما يبعث عن أمل في التخفيف من معاناة هذه الفئة بمختلف جهات المملكة، وذلك بالرغم من تداعيات الجائحة التي أربكت كل الحسابات.

ومن الأهداف المرسومة لهذا المنتدى ، الدفاع عن حقوق هذه الفئة من النساء والتعريف بقضاياهن ، والقضاء على مختلف أشكال التمييز، والحث على ملاءمة التشريعات والقوانين مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة ، وتنمية القدرات لتحقيق الاندماج الكامل والمنصف في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

بمناسبة احتفاء العالم باليوم الأممي للمرأة (8 مارس)، أعربت عن أملها، والابتسامة تعلو محياها، في أن تطوى صفحة النظرة الدونية للأشخاص من ذوي الإعاقة وخاصة فئة النساء، وذلك على غرار سلسلة من الأمراض التي تم القضاء عليها بشكل كلي بالمغرب ، كما هو الشأن بالنسبة لشلل الأطفال الذي طاردها طيلة حياتها.