إعدادية “التحدي” بجماعة بن معاشو نموذج لمقاربات تشاركية للقطع مع الهدر المدرسي بالعالم القروي

(إعداد رشيد العمري)

في خضم المساعي والإجراءات المتخذة للنهوض بقطاع التعليم عموما وتجويد خدمات المدرسة العمومية على الخصوص، جاءت مبادرة إحداث الثانوية الإعدادية “التحدي” بالجماعة القروية لابن معاشو- أولاد عبو إقليم برشيد كنموذج يحتذى لمقاربة تشاركية تجمع بين القطاعين العمومي والخاص من أجل المساهمة في القطع مع الهدر المدرسي وخاصة بالعالم القروي.

فبمجرد ما تطأ قدمك رحاب هذه المؤسسة التعليمية تبرز مظاهر الفرحة التي تعلو ملامح التلاميذ والتلميذات، وهم يرددون النشيد الوطني عند تحية العلم كالعادة، أو خلال اصطفافهم للالتحاق بفصولهم الدراسية وحتى بداخل الأقسام، حيث تتعالى أصواتهم للإجابة عن الأسئلة في تجاوب حماسي مع الأطر التربوية.

هذا الإحساس لا يدرك فحواه – بحسب التلميذات والتلاميذ الذين تم إنقاذهم من براثين الجهل، إلا من كان يقطع مسافات طويلة قد تزيد أحيانا عن 20 كيلومترا في غياب تام للسلك الإعدادي على مستوى هذه الجماعة الترابية وخاصة خلال فترة تهاطل الأمطار، حيث كانت هذه المؤسسة التعليمية – بحسب مديرها السيد عبد الواحد عاويل – مجرد حلم لطالما راود ساكنتها (نحو 20 ألف نسمة) لسنوات طوال حتى تحقق هذه السنة، بدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وعن نشأة هذا المشروع النبيل، صرحت حاملته السيدة سعيدة عزبان بناني، أنه في سنة 2018 حينما كانت آنذاك ترأس جمعية إينرويل الدار البيضاء- كاليفورنيا، اقتصر التفكير والمرامي والأهداف على القيام ببعض الترميمات البسيطة على جدران ومرافق المؤسسات التعليمية لعدد من الدواوير وإمدادها ببعض التجهيزات، إلى أن تفاعلت مع رغبة الجهات المعنية التي تدعم مطامح وتطلعات الساكنة في إنشاء ثانوية إعدادية في تحد لسلسة من العراقيل وفي طليعتها آنذاك جائحة كورونا (كوفيد 19 ).

وأشارت في تصريح لقناة M24 التابعة لوكالة المغرب العربي للأنباء إلى أن أهمية هذه الإعدادية تكمن في كونها موضع التفاف عدد من الفاعلين ممن يحذوهم الإيمان الراسخ بأهمية التعليم كأولوية الأولويات من أجل مستقبل أفضل ومجتمع متنور قوي بموارده البشرية، مما أتاح الفرصة أمام 240 تلميذا وتلميذة لمعانقة رحاب المدرسة وبالتالي المساهمة في تدني نسبة الهدر المدرسي إلى صفر في المائة.

ومما ساهم أيضا في تحقيق هذا الهدف المنشود وتحسين ظروف التمدرس، كما جاء على لسان السيد عبد الواحد عاويل أن الثانوية الإعدادية “التحدي” التابعة للمديرية الإقليمية لبرشيد رأت النور بفضل الجهود المتضافرة لكافة متدخليها بتوفيرهم لسلسلة من الخدمات المحورية، ففضلا عن استفادة جميع تلامذتها من مشروع مليون محفظة وكذا النقل المدرسي، يتم تمكين القاطنين منهم بمناطق نائية من خدمات المطعمة.

ولتحفيز النشء على مزيد من التحصيل والمثابرة والعطاء في مختلف المجالات ذات البعد الفني والثقافي والرياضي والعلمي فقد تضمنت هذه المؤسسة ضمن مرافقها فضاء للقراءة ومكتبة وسائطية إلى جانب مسرح في الهواء الطلق على شاكلة المسارح الرومانية ومساحات خضراء متعددة الاستعمالات بما في ذلك عملية البستنة، ومختبر علمي لتطوير المدارك، ناهيك عن ملعبين لممارسة مختلف الرياضات وحلبة للسباق.

كما تمت المراعاة في بناء وتجهيز هذه المؤسسة، التي تتماشى مع النقاط أو الالتزامات الأساسية المؤكد عليها في خارطة الطريق للوزارة الوصية، لسلسلة من المواصفات التي تبعث عن روح التحدي و المواطنة من بين ذلك تزيين جدرانها بباقة من الأمثال والعبر لترسيخ القيم المحفزة، كما تم إطلاق على قاعاتها وحجراتها الدراسية، أسماء عدد من الرجال والنساء المشهود لهم بالكفاح والمثابرة كل في مجال اهتماماته، وذلك إلى جانب خريطة للعالم بمدخل المؤسسة تخللتها صور لأعلام وشخصيات وطنية ودولية جعلهم التحدي يسلكون مسارات قل نظيرها تاركين بذلك بصماتهم على صفحات التاريخ.

يشار إلى أن هذه المعلمة، الأولى من نوعها بجماعة بن معاشو، كلف إنجازها، على مساحة إجماليه تفوق الهكتار، غلافا ماليا بقيمة إجمالية تزيد عن 8 ملايين و700 ألف درهم، ساهمت فيها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بما قيمته مليون و800 ألف درهم، والجماعة الترابية المعنية بمليوني درهم إلى جانب مؤسسة أمان التابعة لإحدى الوحدات الإنتاجية المتخصصة في مواد وأجهزة الري بقيمة مليون درهم، بينما تكفلت المانحة سعيدة عزبان بناني عضوة مؤسسة إينرويل الدار البيضاء- كاليفورنيا بالقيمة المتبقية، والوزارة الوصية بتجهيز الأقسام والمطعم وكذا الإمداد بالموارد البشرية الضرورية.

وتعد إعدادية “التحدي”، التي تقدر طاقتها الاستيعابية بنحو 640 تلميذا وتلميذة، ثمرة اتفاقية شراكة أبرمت في دجنبر 2018 بين الأطراف المعنية، اذ شرع في عملية بنائها بدوار الرويسات مع مطلع سنة 2020 إلى أن انتهت أشغال المساحة المبنية على امتداد 1786 متر مربع في شهر غشت من السنة الجارية، وذلك على أمل بزوغ مبادرات أخرى للمساهمة في توسعتها حتى تشمل أيضا المستوى الثانوي التأهيلي لضمان استمرارية هؤلاء التلاميذ وإعدادهم لحجز مقاعدهم في الجامعات والمدارس العليا .