التراث الحضري من زاوية أنتروبولوجية : أربعة أسئلة للباحث محمد يقين

التراث الحضاري مفهوم متعدد المعاني والمداخيل .. لكن في معناه البسيط يعني الأماكن التاريخية التي تعكس الحضارات التي مرت على الفضاء أو المجال ، لأنه يرتبط بالمكان الذي يوجد به.

وتعد عملية المحافظة على التراث الحضري باعتباره من الموروثات المهمة ، تحديا كبيرا في ظل التطور العمراني والحداثة التي يشهدها العالم في الآونة الأخيرة.

هذا التراث يمكن تناوله من عدة زوايا .. وضمن هذا الحديث لوكالة المغرب العربي ، يقدم الأستاذ الباحث محمد يقين معطيات ضافية حول هذا التراث من خلال مقاربة أنتروبولوجية ..

/// ما الدافع وراء اختيار موضوع التراث الحضري؟

ــ خلال الحديث عن التراث الحضري يتبادر منذ الوهلة الأولى إلى الذهن أن الموضوع يهم الحديث عن جزء من الماضي أو جزء من ذاكرة ما، لكن في حقيقة الأمر الحديث عن التراث الحضري، يندرج في صلب الحديث عن مكون أساسي في فهم صيرورة تشكل الهويات، وهو ما يدفعنا إلى أخذ مجموعة من الأبعاد ، تندرج من المحلي إلى الوطني إلى العالمي، رغم أن هناك فرقا بين العالمي والشامل.

والحديث عن التراث الحضري من خلال هذه الزاوية يجعلنا أمام مداخل مركبة لفهم آليات وصيرورة تشكل الهويات .. فالتطرق للتراث الحضري من المدخل الأنتروبولوجي، يختلف بالتأكيد عن مداخل أخرى، إن لم نقل، إنه يشملها ويضعها على محك النقد أيضا.

وانطلاقا من الأصل الشقاقي لمفهوم التراث ومن مختلف المعاني التي يكتسيها المفهوم في لغات مختلفة، يتضمن مجموعات من الدلالات التي تحيل على الإرث والميراث أو ما يتم تناقله من جيل إلى أخر.

يمكن الحديث عن التراث في معناه اللغوي، لكن المقصود ليس هو هذا بطبيعة الحال، لأننا أمام منتوج، المفروض أنه يتشكل باستمرار ويولد معان جديدة .

ويذهب بنا الفهم الأولي إلى التعامل مع التراث الحضري باعتبار ما هو مادي فيزيقي، يختزل أحيانا في بنايات أو منشآت أو آثار ومعالم ، لكن الأمر يتجاوز كل هذا لأن الحديث عن التراث الحضري يلامس العديد من المستويات، يتداخل فيها المادي التاريخي بالجمالي الرمزي .

/// لماذا إذن اخترت المقاربة الأنتروبولوجية ؟

ــ الحديث عن التراث الحضري من المدخل الأنتروبولوجي بالنسبة لي، لا يهم التراث داخل المدينة أو داخل مجال جغرافي محدد، لأن مفهوم المدينة قد يحيلنا على مجال جغرافي محدود ومحدد ، وهو في الغالب يعني المدينة القديمة، لأن مفهوم الحضري (L’urbain) لا يعني المدينة. ولهذا اخترت الحديث عن المقاربة الأنتروبولوجية انطلاقا من الأبعاد الثلاثة، المحلية والوطنية والعالمية.

نحن نبحث في هذه المقاربة على جوانب الألفة والحميمية والروابط المحلية من مختلف الأبعاد الميكروبولوجية .

وإشكال التراث الحضري يتجاوز المحلي الذي قد يحيل على تاريخ أو منطقة وقد يشمل جماعة (Comminauté)، وقد ينحصر في أسرة أو عائلة، يصعب فيها وضع حدود لأن بعض هذه المنشآت تنتمي إلى أسر وتحولت، في وقت ما، إلى تراث محلي أو وطني .

ونقصد بالتراث الحضري مجموعة من المنتجات، يمكن أن ننطلق منها، ما هو معماري وننتهي فيها إلى أشكال تراث لا مادي .

واليوم هناك من يدرج بعض المجالات في هذا النوع من التراث من بينها المجالات المائية والخضراء والمجالات التي تكتسي أبعاد بيئية، لأن البيئة، اكتست أهمية كبيرة في البحث السوسيولوجي والأنتروبولوجي .

/// ما هي الأبعاد التي يتخذها البحث الأنتروبولوجي؟

ــ يكتسي البحث الأنتروبولوجي أبعاد متعددة، تغتني يوما عن يوم بفعل النقاشات والجدالات الحقوقية والقانونية ، وبفعل أيضا قنوات الترافع حول الارتقاء بمنتوجات معينة إلى مستويات معينة أيضا.

وإذا عدنا إلى القرن التاسع عشر، نلاحظ أن مفهوم التراث الحضري، تطور باستمرار ارتباطا بالظروف والشروط التاريخية التي عرفها العالم، ارتباطا أيضا بالتطور الصناعي وظهور المدينة الحديثة بجوار المدينة القديمة ، وهو ما يطرح العديد من الإشكالات بخصوص تدبير المعمار .

فمع توقف الحرب العالمية الأولى والثانية، طرحت إشكالات ارتبطت بكيفية حماية المباني والآثار والمنشآت، وفي العديد من الفترات وكلما قطع التمدين أشواط جديدة، وهو صيرورة معقدة لا يتم بنفس الوتيرة ولا الشكل ولا الإيقاع في جميع البلدان والظروف .

وأصبح هذا التمدن يشمل العديد من الأبعاد، التي لم تعد مقتصرة اليوم على ما هو عمراني ومادي، عكس التصور الأولي الذي يحيلنا على التراث الحضري والتراث المبني والتراث الطبيعي .

ومن هناك تأتي أهمية المقاربة الأنتروبولوجية، التي تزعم أنها مقاربة شمولية ونقدية، تحاول أن تحيط بمختلف الأبعاد التي تتجاوز الأبعاد الأحادية أو الاختزالية المتبناة في مقاربات أخرى ونقدية ، لأنها تضع على محك النقد مختلف المفاهيم المنتجة حول التراث الحضري باستمرار .

/// ما هي وظائف التراث الحضري ورهاناته؟

ــ يمكننا وضع مجموعة من الأسئلة والتساؤلات الكبرى حول وظائف التراث الحضري وآليات التعامل معه، خصوصا وأننا أمام فاعلين متعددين، منهم مستهلك للتراث ومنتج ومستثمر ومعجب، نحن أمام مشهد مركب، سواء عند الحديث على التراث كمنتوج أو على مستوى الحديث كمداخل للفهم .

ويمكن الحديث عن العديد من العلاقات والوظائف، خصوصا أنه أصبح اليوم أمام العديد من الرهانات، فالمستثمر الذي يأتي من خارج السياق وهو مستثمر يعبر جميع أنحاء العالم، لا علاقة له بالمحلي، وهناك القاطن والعابر والسائح والسياسي ورجل التعمير والمهندس وهو مشهد يصعب معه تقييم التراث بنظرة أحادية.

وهناك منطقيات متعددة للتعامل مع التراث الحضري، مما يجعلنا أمام مسارات متعددة، من بينها كيف يستعمل التراث الحضري ؟ وكيف يوظف وكيف يمكن تمثله ؟ وكيف يمكن تحويله والارتقاء به إلى مستوى معين، يجعله ذا قيمة معينة ؟.

لا بد من استحضار بعض التجارب من المغرب، بالحديث عن مراكش والرباط والجديدة على سبيل إثارة بعض الإشكالات المطروحة على هوية التراث الحضري.

وانطلاقا من الأبعاد المحلية، التي يمكنها أن تأخذ أبعادا عالمية، إذا استغلت من منظور اقتصادي.. أي التعامل مع التراث الحضري من زاوية أو منظور موجه لخدمة السياحة أو للاستثمار في المنتوجات، أو يمكن التعامل معه من زاوية باعتباره معالم وآثار ، بل يمكن اعتباره مجالا حيا لا يستعيد فقط الذاكرة ولا يعمل على إحيائها فقط ، بل يساعد على إنتاج معنى جديد ، وهذا هو الأساس في التعامل مع التراث وفق نظرة شمولية .

ويمكننا الحديث عن أهمية التراث الحضري، ونعطي أمثلة كجامع الفنا بمراكش، الذي صنف تراثا شفاهيا عالميا، انطلاقا من فضائه وأنشطته التجارية والفرجوية (الحلقة)، والمحطة الطرقية بالرباط وكيفية استغلال بنايتها وتحديثها والحي البرتغالي وأماكن أخرى بالجديدة .