شاطئ بوزنيقة : القراءة في حضرة البحر

(بقلم عبد اللطيف الجعفري)

ما أجمل القراءة في حضرة البحر، خاصة حين يستسلم لطقوس الصيف فيمنح للمصطافين مساحة رفيعة للتحصيل المعرفي.

ما أروع الكتاب الورقي حين تنتشله الأيادي من الرفوف فيصبح خير جليس على ترانيم أمواج البحر ونسماتها التي تملأ المجال الواسع والفسيح.

ما أجمل الكتاب حين يختار هو نفسه الاستحمام والاستجمام في فضاء بديع بمقام رفيع بشاطئ بوزنيقة الذي يحج له آلاف المصطافين كلما حل فصل الصيف واشتد الحر كما يحصل حاليا.

الكتاب الورقي يقيم هذه المرة معززا مكرما بمكتبة القرية الترفيهية للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بهذا الشاطئ، وهو من حقه ذلك بعد أن كان نسيا منسيا في رفوف الخزانات والمنازل.

إنه بذلك يثير فضول العديد من المصطافين الذين يحجون لهذا الشاطئ فيمنحهم لحظات ماتعة لتغذية أفكارهم ومعارفهم بفضاء مخصص أصلا للسباحة والترفيه والرياضة، ونيل الجسد قسطا من أشعة الشمس التي تعزز صلابته.

وما دامت المناسبة شرطا، فإن العديد من الكتب الموجود بمكتبة القرية الترفيهية للمكتب ( ONEE)حاليا، تتناول جوانب متعلقة بالمجال البيئي الذي يعد عاملا حاسما بشأن تتويج الشواطئ باللواء الأزرق وتصنيفها بين جيدة ونظيفة ورديئة غير صالحة للاستحمام.

من بين الكتب الثمينة المعروضة للقراءة هناك، الجزء الأول من موسوعة ” الماء في الفكر الإسلامي والأدب العربي” تأليف الأستاذ محمد بن عبد العزيز بنعبد الله الصادر سنة 1996 ضمن منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

وأيضا كتاب ” نحو إدماج منهجي للتربية البيئية في التعليم النظامي العربي ” إعداد أحمد الحطاب ” الذي طبع بمساهمة المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، بعد أن حاز جائزة مجلس الوزراء العرب المسؤولين عن شؤون البيئة سنة 1997.

السيدة وفاء حفيظ رئيسة مصلحة تواصل القرب (المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب)، أبرزت في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، الأهمية الكبيرة التي تكتسيها هذه المكتبة المقامة بشاطىء بوزنيقة في الشق المتعلق بالتشجيع على القراءة.

وقالت إن هذه المكتبة تضم حوالي 100 كتاب في مختلف المجالات العلمية والمعرفية، بيد أن أغلبها يتناول جوانب متعلقة بالبيئة بالنظر لأهمية البيئة في الحفاظ على المجال البحري.

وأضافت أن المكتبة تتواجد على مستوى القرية البيداغوجية التي قام المكتب بإنشائها، وتضم أيضا عدة ورشات ( الرياضات البحرية، الرسوم والتدوير، مهن الماء، التحسيس والتوعية).

إنشاء مكتبة بالقرية الترفيهية للمكتب تشمل كتبا ذات مواضيع متنوعة، يتيح للمصطافين القراءة بالشاطئ وبالتالي تعزيز التعلم في المجال البيئي.

فوجود هذه المكتبة وغيرها من وسائل الترفيه والاستحمام والنظافة جعل اللواء الأزرق يرفرف بهذا الشاطىء للسنة السادسة عشر على التوالي، وذلك بفضل جهود المكتب ( ONEE) بشراكة مع جماعة بوزنيقة وجميع المتدخلين في برامج تنظيف الشاطىء وتنشيطه.

عملية مهمة تندرج في إطار برنامج “شواطئ نظيفة 2022″ الذي تديره مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة.

كما أن وجود مكتبة على مستوى شاطئ بحري هي مبادرة تنضاف للعديد من المبادرات المماثلة المتعلقة بإنشاء مكتبات في شواطىء وفضاءات أخرى( مقاهي، ساحات عمومية، إقامات سكنية) لتشجيع الناس على القراءة التي تعد مفتاح كل تنمية ذاتية تساهم في الارتقاء بالقيم والمعارف.

ويبقى بيت القصيد في هذه العملية هو أن العلاقة بين البحر وشواطئه والقراءة والمعرفة وحتى الكتابة هي أعمق مما نتصور، فقد ألف بشأنها الشعراء والكتاب العديد من الأعمال، بل أسالت الكثير من المداد، لأنها تؤسس لعلاقات معقدة تساهم في الإنتاج المعرفي وحتى إنتاج رموز وإيحاءات والتأسيس لرؤية أرحب، علاوة على فتح شهية القراءة.

فقد قال العالم الفيزيائي الأمريكي جون أرتشيبالد ويلر / John Archibald Wheeler/ ، وهو مبتكر مصطلح الثقب الأسود

” نحن نعيش في جزيرة محاطة ببحر من الجهل، ومع نمو جزيرتنا المعرفية، ينمو شاطئ جهلنا أيضًا “.

الشاطئ يوفر أيضا أفقا للتأمل والتفكير، وهو ما دفع الكاتب الروائي السوداني الطيب صالح إلى القول ” كنت أفكر وأنا أرى الشاطئ يضيق في مكان ويتسع في مكان آخر، أنه شأنه شأن الحياة، تعطي بيد وتأخذ باليد الأخري”.

ختاما.. المعرفة بحر بلا ساحل، والقراءة هي التي تقيد بعضا من جموحها خاصة حين تعانق من يعرف قيمتها.. وإذا حصلت القراءة في حضرة البحر فإنها تحمل من المتعة الشيء الكثير.
الكاتب